النادي الإفريقي ينتزع تعادلًا ثمينًا و يطوي صفحة الثمانية

في اختبار إفريقي محفوف بالضغوط والتحديات، نجح النادي الإفريقي في العودة بتعادل ثمين بنتيجة هدف لمثله أمام مضيفه تي بي مازيمبي الكونغولي، في ذهاب الدور التمهيدي الثاني من دوري أبطال إفريقيا، في مواجهة احتضنها ملعب مازيمبي بمدينة لوبومباشي، واستعاد خلالها الفريق التونسي شيئًا من هيبته في أحد أصعب الملاعب بالقارة السمراء.
ولم يكن التعادل (1-1) مجرد نتيجة إيجابية في حسابات التأهل، بل حمل في طياته دلالات رياضية ومعنوية كبيرة، بالنظر إلى تاريخ المواجهات بين الفريقين، وخصوصًا الهزيمة القاسية التي تكبّدها الإفريقي أمام المنافس ذاته وعلى الملعب نفسه سنة 2019، عندما خسر بثمانية أهداف دون رد.
الكنزاري يختار الواقعية والانضباط
دخل المدرب ماهر الكنزاري المباراة مدركًا لحجم التحدي الذي ينتظر فريقه أمام منافس اعتاد فرض نسقه على أرضه والاستفادة من الضغط الجماهيري. لذلك، بدا توجهه التكتيكي قائمًا على تحقيق التوازن بين الصلابة الدفاعية والقدرة على استغلال المساحات، مع تجنب الاندفاع الذي قد يمنح مازيمبي فرصًا إضافية للتسجيل.
واعتمد الكنزاري على ثنائي دفاعي محوري جديد نسبيًا، تكوّن من إسماعيلا سيمبارا ومامادو دياتا، في محاولة لتعزيز التماسك أمام الهجمات الكونغولية. كما اختار ريان تيتيغو لشغل الجهة اليسرى هجوميًا، فيما أوكل مهمة تنشيط وسط الميدان إلى الثلاثي أسامة الشاريمي وسيدو خان وألان كانتي.
وكان الرهان الأساسي على تقليص المساحات أمام لاعبي مازيمبي، والمحافظة على التركيز في المناطق الحساسة، ثم التحول السريع إلى الهجوم كلما سنحت الفرصة. وهي مقاربة فرضتها طبيعة المواجهة خارج الديار، حيث لا يكون الاستحواذ غاية في حد ذاته بقدر ما تصبح إدارة المخاطر واستثمار اللحظات الحاسمة عنصرين أساسيين في تحقيق النتيجة المطلوبة.
وقد أظهر النادي الإفريقي قدرة على الصمود أمام الضغط، دون أن يفقد تمامًا قدرته على تهديد مرمى منافسه، في صورة تعكس أهمية الانضباط الجماعي في مثل هذه المواعيد القارية.
التشكيلة الأساسية للنادي الإفريقي
اختار ماهر الكنزاري التشكيلة التالية لخوض المواجهة:
- حراسة المرمى: محيب شماخ.
- خط الدفاع: غيث الزعلوني، مامادو دياتا، إسماعيلا سيمبارا، حسام بن علي.
- خط الوسط: ألان كانتي، سيدو خان، أسامة الشاريمي.
- خط الهجوم: ريان تيتيغو، فيليب كينزومبي، تاديوس نكينغ.
التغيير أثناء المباراة:
- الدقيقة السابعة: خروج حسام بن علي ودخول غسان المحرسي، في تغيير اضطراري مبكر فرضته ظروف المباراة.
ويُذكر أن هذا التغيير المبكر وضع الإطار الفني أمام تحدٍّ إضافي، إذ اضطر الفريق إلى تعديل أحد عناصره الدفاعية منذ الدقائق الأولى، في وقت كان فيه مطالبًا بالحفاظ على تركيزه أمام ضغط المنافس.
هدف لمازيمبي… وردّ إفريقي سريع
بدأت المباراة بإيقاع متوازن نسبيًا، مع محاولات من الفريق الكونغولي لفرض أفضليته أمام جماهيره. وتمكن الحارس محيب شماخ من التدخل في مناسبات مهمة، محافظًا على حظوظ فريقه خلال الفترات التي ارتفع فيها ضغط أصحاب الأرض.
وفي الدقيقة 38، نجح جوزويه كازِيما في افتتاح التسجيل لفائدة تي بي مازيمبي، مستغلًا إحدى فترات التفوق الهجومي للفريق الكونغولي.
لكن ردّ النادي الإفريقي جاء سريعًا وحاسمًا. ففي الدقيقة 39، أطلق ألان كانتي تسديدة قوية من خارج منطقة الجزاء، أعادت المباراة إلى نقطة البداية وأربكت حسابات أصحاب الأرض، ليؤكد الفريق التونسي أنه لم يأتِ إلى لوبومباشي لمجرد الدفاع عن مرماه.
وكان لهذا الهدف وقع مهم على مجريات اللقاء، إذ أعاد الثقة إلى لاعبي الإفريقي، ومنحهم فرصة دخول فترة الاستراحة بنتيجة إيجابية، مع تسجيل هدف خارج الديار قد تكون له قيمة كبيرة في حسابات التأهل.
صمود دفاعي أمام ضغط الشوط الثاني
بعد العودة من حجرات الملابس، رفع تي بي مازيمبي نسق هجماته بحثًا عن هدف التقدم، مستفيدًا من عاملي الأرض والجمهور. ووجد النادي الإفريقي نفسه مطالبًا بمضاعفة مجهوداته الدفاعية، مع الحرص على عدم ترك المساحات أمام لاعبي المنافس.
وتألق الحارس محيب شماخ مجددًا، خصوصًا في الدقيقة 60، عندما تصدى لتسديدة قوية من مسافة بعيدة وحوّل الكرة إلى ركنية، في تدخل ساهم في المحافظة على التعادل.
ورغم الضغط الكونغولي، حافظ الإفريقي على تماسكه، وواصل البحث عن فرص لمباغتة دفاع مازيمبي. وفي اللحظات الأخيرة، كاد أسامة الشاريمي أن يمنح فريقه فوزًا ثمينًا، عندما مرت تسديدته بجانب المرمى في الدقيقة 96.
كما شهدت الدقائق الأخيرة جدلًا حول هدف سجله مازيمبي في الدقيقة 89، قبل أن يلغيه الحكم الموريتاني دحان بيدا بسبب لمسة يد خلال بناء الهجمة.
وبذلك، انتهت المواجهة بالتعادل الإيجابي (1-1)، في نتيجة تُبقي باب التأهل مفتوحًا قبل لقاء الإياب في تونس.
من ثمانية أهداف سنة 2019 إلى تعادل يعيد الأمل
لا يمكن الحديث عن مواجهة النادي الإفريقي ومازيمبي في لوبومباشي دون العودة إلى الثاني من فبراير 2019، حين عاش الفريق التونسي واحدة من أقسى الليالي في تاريخه القاري، بعد هزيمته أمام المنافس نفسه بنتيجة ثمانية أهداف دون مقابل، ضمن دور المجموعات من دوري أبطال إفريقيا.
في تلك المباراة، فرض مازيمبي سيطرته بصورة شبه كاملة، وأنهى الشوط الأول متقدمًا بأربعة أهداف نظيفة، قبل أن يواصل مهرجان أهدافه في الشوط الثاني، في نتيجة تاريخية سجلت رقمًا قياسيًا آنذاك في دور المجموعات للمسابقة القارية.
وكانت تلك الخسارة أكثر من مجرد هزيمة ثقيلة؛ فقد تحولت إلى ذكرى مؤلمة في ذاكرة الجماهير الإفريقية، وظلت شاهدًا على الفارق الذي ظهر آنذاك بين الفريقين من حيث التنظيم والنجاعة الهجومية والقدرة على التعامل مع ضغط المباراة.
أما في مواجهة 2026، فقد قدم النادي الإفريقي صورة مختلفة، إذ تمكن من مجاراة منافسه، واستعادة توازنه سريعًا بعد قبول الهدف، ثم المحافظة على التعادل رغم الضغط الذي عرفه الشوط الثاني.
ولا يعني ذلك أن المقارنة بين المباراتين تختزل كل الفوارق الفنية بين الفريقين، لكنها تكشف بوضوح أهمية التطور في التعامل مع الظروف الصعبة، والقدرة على المحافظة على التركيز في ملعب لطالما ارتبط بذكرى قاسية لدى أنصار النادي الإفريقي.
ماهر الكنزاري… قراءة للمباراة قبل حسابات التأهل
تتمثل أبرز نقاط القوة في أداء الإفريقي في قدرته على تجاوز الصدمة المبكرة نسبيًا، بعدما نجح في الرد على هدف مازيمبي في غضون دقيقة واحدة فقط. كما ساهم التماسك الدفاعي وتألق الحارس في الحد من خطورة المنافس خلال فترات ضغطه.
ومن الناحية التكتيكية، كان اختيار الكنزاري لنهج أكثر توازنًا ملائمًا لطبيعة المباراة خارج الديار. فالفريق لم يندفع بصورة غير محسوبة، ولم يسمح لهدف مازيمبي بأن يغيّر خطته بالكامل، بل حافظ على قدر من الانضباط واستثمر فرصة مهمة لإدراك التعادل.
ومع ذلك، سيحتاج الإطار الفني إلى مراجعة بعض التفاصيل قبل لقاء العودة، خصوصًا في كيفية الخروج بالكرة تحت الضغط، وتقليص المساحات التي استغلها الفريق الكونغولي، وتحسين استثمار الفرص الهجومية، حتى لا يظل الفريق معتمدًا على الصمود الدفاعي وحده.
رادس… موعد الحسم
سيكون ملعب حمادي العقربي برادس مسرحًا لمباراة الإياب يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، انطلاقًا من الساعة السادسة مساءً، في مواجهة ستحدد هوية الفريق الذي سيواصل مشواره نحو دور المجموعات من دوري أبطال إفريقيا.
ويمنح التعادل خارج الديار النادي الإفريقي وضعية أفضل نسبيًا قبل لقاء العودة، لكنه لا يحسم شيئًا بمفرده. فمواجهة مازيمبي تتطلب الحفاظ على التركيز، والتعامل بحذر مع التفاصيل، والاستفادة من دعم الجماهير التونسية.
لقد عاد النادي الإفريقي من لوبومباشي بنتيجة إيجابية، محولًا ذكرى الثمانية أهداف إلى حافز لتقديم صورة أكثر توازنًا وصلابة. وبين جراح الماضي وطموحات الحاضر، سيكون الموعد في رادس فرصة لإثبات أن التعادل في الكونغو ليس نهاية المهمة، بل خطوة أولى في طريق التأهل.
الخلاصة: تعادل النادي الإفريقي (1-1) أمام تي بي مازيمبي هو نتيجة تحمل قيمة معنوية وتنافسية، وتمنح الفريق فرصة حقيقية لخوض الإياب بأمل التأهل، شرط أن يترجم الانضباط الذي أظهره في لوبومباشي إلى أداء أكثر فاعلية أمام جماهيره.






